...وشكرا لحضوركم!

مدينتي لا تموت. غضة غناء ابدا. تنهض من انقاض كل ما يحل بها، لا تبالي، لا تيأس. في الازمات تتراقص بغواء، وتحت القصف تصدح بالحان سماوية.
مدينتي، يصنعها غاووها، يحييها عشاقها، يغذيها الوافدون اليها من قريب وبعيد، ويحمل كل من مغادريها كرة ضئيلة من وهجها تعدهم بمواعيد لاحقة.
مدينتي مسرح هائل متشعب، تجول في حناياه اطياف سكانها، الاحياء منهم والاموات، اولئك الذين يصنعونها، يرسمونها كما تحلو لهم. ولكل منهم بيروته. هؤلاء، الباقون فيها، من لم يدر لها ظهره مهاجرا. حرفيو المدينة. نخبتها.
يجولون في لياليها ليحيلوها كرنفالات متواصلة. يملأونها ضحكا وبكاء ورقصا وثمالة و حبا ورياء وفجورا، في مشاهد مضحكة الى حد الالم احيانا، ومأساوية تغوص في هاوية البؤس السحيقة غالبا. شخصيات عجنتها الحروب، صاغتها الطوائف، وقولبتها مجتمعات مقيدة، فتشربت تناقضات فتاكة.
هؤلاء الافراد هم بناؤو بيروت. مداميك صرحها. وهم ليسوا هناك بارادتهم. بوعيهم. انقادوا اليها، فاحتضنتهم. احالتهم سجناءها، تتسلى بهم متى تشاء، تظهر لهم ما تريد كحبة ال اس دي، ثم تصرفهم، او حتى تحطمهم، مع اولى بوادر حشود عشاقها الجدد. ما يلي تركيب شخصيات متخيلة، مستوحاة من حيواتهم.

مناضل شيوعي سابق تحول كاتبا، شاعرا، ناشطا سياسيا، صحافيا، وسوبر ستار. يحب الكأس والسهر والنساء، بالرغم من شيبه الناصع. لكنه متزوج، لسوء حظه.
حسن حظه، من جهة اخرى، لم يذيله باطفال، فزوجته طبيبة ناجحة مغرمة بعملها. تعرف اليها في احد مستشفيات بيروت في الحرب، نقل اليها مضرجا بدمائه، على حمالة تدلت اطرافه منها، بعد ان زاد وزنه خمس عشرة رصاصة عيار 500 اثر محاولة اغتيال في توجهه الى المنارة صباحا لشرب قهوة الصباح مع شباب الاكسبرس.
ليس سيئ المظهر، ويعرف ما يناسبه من الملابس. يتصرف ويتكلم بما يعتبره عصرية وحداثة، يستخدم كلمات اجنبية لها علاقة بالانترنت والروك اند رول والسينما. احيانا يتصرف بطبيعية، لكنه ينكمش بحضور الدكتورة. بغيابها، هو ديك الديوك بعرفه المنفوش وصدره المنفوخ، لكن في سهرهما معا بين الاصحاب، ينعقد لسانه. يقبع الى جانبها بصمت، الى ان ياخذ الجين تونيك مساره الطبيعي في مجاري الجسد فيمسي حادا، عدائيا، ليكيل لها احيانا كلاما جارحا كالنصل. في العمق، هو رجل تقليدي، لا يطلق زوجة لا يحبها، يصادق فتيات كثيرات، ويخبر قصصه لكل من يراه. الغريب ان زوجته لا تبدي اي اشارة بانها تعرف عن علاقاته. هي ايضا لديها قصصها. حياتها في المستشفى، مكانها الآخر.
محتال صديقنا، معسول الكلام، شاطر، يسبغ المديح عندما يريد، ويتعمد جمع "المثقفين" المنبثقين من بيوضهم المتفسخة حديثا تحت جانحيه، ليحيطوه في سهراته ويشعروه بالاهمية والحكمة النابعة من العمر، والخبرة التي يتكرم على حاشيته بها. اصدقاؤه يتغيرون، بحسب المزاج وكذلك براعم الشعراء، الصحافيين، والروائيين الذين ينبتون حوله ليعجب بهم، ويكتب عنهم في صفحة الثقافة في صحيفته البيروتية.مديحا ام هجاء، القرار له.

رسامة عراقية، سكيرة مجنونة تنز عنفا شريرا عندما تثمل، عائلتها من قدامى العائلات الشيوعية في بلادها. يحكى ان والدها اختطفه عناصر في النظام العراقي السابق قبل عشرين عام، واعيد الى عائلته كتلة من الاعصاب والعضلات العاملة على نظام دعم ثانوي، بعد شي دماغه بمختلف تقنيات حسن المعاملة المعتمدة. فرت العائلة واستقرت في بيروت. غير انها عادت واستجمعت شجاعتها مؤخرا، وعادت الى بغداد، حاملة كسيحها الذي لم يعد اكثر من عبء يقبع في احدى زوايا المنزل، فاستحال اقل من منضدة فيه، وانكمشت ذكريات عائلته عنه مثلما ذوى هو ليمسي كرسيا.
فتاة ابيها المدللة اكثر من عانى من ازمة الوالد الذي لطالما شكل سندا لها في خياراتها السيئة في الحياة، بمواجهة الوالدة الصارمة، الواقعية، والاقتصادية. وبعد "تعطيله" امست رسامتنا الناشئة عرضة لتهجم عائلتها الموسعة المحافظة، بعد لوم الوالد على سوء تربيته ابنته، وعلى معاناتهم وعائلاتهم جور صدام حسين. صبوا كل حقدهم عليه فوق رأسها. فتاتنا لجأت الى الافراط في الشرب في البداية، لكنها في الوسط الثقافي في بيروت تعرضت طوعا لكل ما خالته يؤدي الى النسيان، قتل خلايا الذاكرة تلك التي تلتقط وتحفظ الضوء، وما يرسمه من صور تتوالى لتخرج ذكريات غطت دماغها ندوبا. حبوب، حشيشة، كوكايين، ممزوجة بأفضل ما تقدمه حانات المدينة من خمور، وخفايا الليل ومعارفه القديمة والمقبلة، وكل ما يتفتح عليه سهر بيروت من عجائب وغرائب.
ظلال لوحاتها ازدادت حدة، وارتدت غلالات قاتمة، لا تمت الى الحرب او الرمزية النمطية للقمع بصلة. بل توحي اكثر بشياطين داخلية تتصارع معها. الوان تستعرض تموجات الظلمة ، تفاقم القسوة في كثافة الزوايا الحادة، ضربات الريشة تبدو كثلوم عميقة حفرتها سكاكين على اللوحة، عميقة قصيرة متكررة، كمن يحاول قتل مغتصب. لا تخلو ليالي سهرها من مشادة او اثنتين، فالفتاة جميلة، لهجتها محببة، وتفعل كل ما يسعها لتمسي مركز الاهتمام. واحيانا تتضارب مصالح هذا باهتمام ذاك. هذا وحده كفيل بكف شرها الثمل عن المكان ومرتاديه. لم يعد احد ممن حام حولها في البداية يتحمل مزاجها، وانصرف عنها من اشاد باعمالها سابقا، ولا تبدو نهايتها الا قريبة وظالمة القسوة.

مدللة، او تتصرف كذلك، ومعاشروها يجيزون لها ما تريد. كل مبتغاها هو توسط اهتمامهم، واجتذاب مديحهم وثنائهم، بغض النظر عما تسبب من اذى. تطلق على نفسها لقب "الشاعرة"، الصحافية لا تكفي، وتدعي معرفة في الفنون كافة من رسم وموسيقى ونحت، تنكشف هشاشتها ما ان تعبر عن رأيين او ثلاثة حيالها. صديقتنا طفرت من حارات القرية العائلية مباشرة الى أزقة المدينة، مثقلة بقرويّة مترسخة تحاول على الدوام اخفاءها تحت صورة مركبة من الحداثة المصطنعة. ضائعة فتاتنا، تدور في دوامة تحاول فيها تركيب اجزاء من شخصيات جمعتها من روايات وافلام واناس تعرفهم، لتصهرها في قالب واحد تلبسه كل صباح، وهي تحملق في وجه لا تتعرف اليه في المرآة.
والدها، مثالها الاعلى، موضع شغفها وتطلعاتها ونقمتها، ودافع كل افعالها ومساراتها. لم يول الوالد عائلته اي اهتمام او عطف، لكنه لم يبخل عليهم بالادب والشعر والثقافة والايديولوجيات والنضال والفكر، وطبعا الوجاهة القروية التي تولد من كل ما سبق. لكن لا عاطفة. صديقتنا هي البكر بين خمس فتيات . ترعرعت بين منازل الجدين والاعمام والعمات والخالات، محمولة على الايدي. لم تضطر في اي يوم من الايام حمل مسؤولية، او دفع ثمن اي من حماقاتها الكثيرة.
هبوطها الى المدينة شاعرة، كاتبة، سكيرة، بالرغم من كونها فتاة، ادخلها الوسط المثقف الذي يبدو كدائرة سير، تدخلها سيارات على قدر ما يخرج منها، والبعض يدور فيها الى الابد. اثقلوها مديحا. جالوا بها في حاناتهم، باحاتهم الخلفية، منازلهم. تعلقت بالخمرة، فباتت تثمل يوميا حتى السقوط، في حرب شعواء على خلايا الذاكرة بالذات، فقضت عليها بالالاف. هكذا صاغت لنفسها احداثا تناسب قصتها عن الحياة ومشاهدها، وصنعت ذكريات لا يوافقها عليها كل من ورد فيها. تكذب وتصدق كذبها.
دلالها يجذب الكثير من الرجال، وهي، على قدر ما تمنت في طفولتها ان يضمها والدها، تبحث بين ذراعي شبان لاهثين عن بعض منه. لا فرق لديها بين الواحد والاخر، فهي لا تبحث في وجه كل منهم الا عن صورة  عنها. بعد مدة تتوقف عن النظر اليهم، وتقلب الوجوه كصفحات مجلة مملة. لكنها، ثملة، تطلق العنان لسخطها على الرجال والكتابة والشعراء واصدقائها. لم ينج من لذعاتها حتى من تدعي انهم اقرب الاصدقاء، وحتى شقيقاتها. في اليوم التالي تعزو اهاناتها الى لسان الخمرة الطويل.
في كل الاحداث الثقافية تجدها، تحدث هذا، وتبتسم الى ذاك، تدور نظرها في المكان لتتأكد ان ايا من معارفها الكثر لم يسلم من تحياتها وبسمتها البهية. تسأل دوما من حولها، الست جميلة؟ لكنها تجيب بنفسها، بلى، انا جميلة. تحب ان تقرأ كتاباتها المهلوسة على الحائمين حولها، وحذار عدم استحسانها، فترد الكيل كيلين، ولكن لاحقا، بعد كأسها الرابع. ثمالتها، ضحك، بكاء، زعيق، مشادات لا تتوانى عن اشعالها وان تدخلت الايدي، فهي لا تخشى رجلا! غالبا ما تبدي وقاحة فجة، لا يهمها من تؤذي، بل اكثر من تصفع هم المقربين اليها. تحطمهم، تسحقهم وتشرحهم حتى العظم. لكن عليهم ان يستمروا في حبها، والسهر على راحتها. فماذا لو احتاجتهم؟ لا تطيق الوحدة، لكن فضاءها المكتظ لا يتسع لاي نفس اخرى. على الاخرين بالقبول. في نهاية الامر، تتكشف حقيقتها وتشرذمها ولا تخلف في نفوس معاشريها الا الشفقة واحيانا القرف والكراهية.

"خبير" بيئي صحي طبي وعالم بخفايا الكيمياء والفيزياء وعلوم الاحياء، محلل سياسي فذ، لا تفوته شاردة وواردة. باختصار كذاب كذوب. درس علوم البيئة في الجامعة الاميركية في بيروت، لكنه لم يتخرج لانه تخلى عن اطروحته. لم ينلها، شهادة "العالم البيئي"، لكنه يخال ذلك. جل ما خرج به من التجربة انكليزية طلقة، مع لكنة اميركية تخونها مخارج حروف لهجة مسقط رأسه. لكنه وازن الامر بجهل مطبق بالعربية، حيث يتكلم اللهجة اللبنانية، لكن لا أمل منه في قراءتها وكتابتها.
ادعى في مرحلة من حياته، قبل انتهاء دروسه، انه مهتم بالنشاط البيئي، فانضم الى متطوعي منظمة دولية غربية غير حكومية نشطت في لبنان بعد ملحمة حروبه بين 1975-1990. هناك وجد نفسه لقلة المتطوعين نجما، طموحه الدائم. التصق بمسؤولي الجمعية وامسى مساعدا متوافرا لهم، واتسعت مسؤولياته. لكنه يحب القيادة، فبات يتصرف كزعيم حيال المتطوعين الجدد، فيما يتلقى الاوامر طائعا سعيدا من مسؤولي الحملات. عاما بعد عام، انهى دراسته، ادى خدمة الجيش، وعاد مهرولا ليتولى مسؤولية النشاطات في الجمعية. غابت عن ذهنه طبيعة العمل، اي التعاضد من ضمن فريق لتحقيق انجازات وتغيير السيء وتصحيحه.
منذ بداياته بدأ يسعى الى الاستئثار بمودة المسؤولين عن الجمعية، المحليين منهم والاجانب، ويعد المتطوعين بامتيازات تنتهي اليه وحده واثنين من محظييه. ذلك شمل رحلات التدريب، مسؤوليات المهام المشوقة، الخروج مع الضيوف الاجانب والتخطيط للنشاطات...لكنه بخيل، حاول بكل ما يسعه الا يدفع ليرة ثمن اي من كل ذلك المرح. كان يسترجعها من جيب جمعيته التي تجمعها من التبرعات الفردية. في نهاية المطاف، لم يفعل شيئا بلا مقابل. اغدق الهدايا على المعارف النافذين الذين اتاحت له وظيفته سبيلا اليهم، سواء في جمعيته او في محيطه البيروتي. سياسيون من الدرجة الثانية، صحافيون، ناشطون، والكثير الكثير من مدعي الثقافة، "اطفال الانابيب" الذين نمت "اناهم" قبل ادراكهم، فخالوا نفسهم مهمين وفاعلين اجتماعيا. لكنهم صنعوا لنفسهم مكانا وسط النخبة "الاجنبوفونية" في المدينة. لا يعيشون على ارض الواقع. يرون انفسهم ابطالا منقذين في قصص مصورة، ولا يتوانون عن المفاخرة بانجازاتهم، التافهة في اغلب الاحيان، لانها كل ما لديهم.
هؤلاء الناشطين الاجتماعيين، البيئيين، الحقوقيين، الخ. موجودون لان بيروت مدينة بلا مصافٍ، لا تنقّح، لا تصحح، لا احد يسقط على ادراجها، ذراعيها مفتوحتين كمقبرة لا ترد ميتا، الكل فيها مقبول، بكل ما اوتوا من عبث وتفاهة.
 كان متطوعا وهميا، ولاحقا ناشطا مخادعا، نفر الجميع منه في النهاية، حتى جمعيته التي لم يترك جسرا لم يحرقه معها. طرد منها كاللص، فاسس، وسط اتباعه الاقزام جماعة اخرى، ما زال يتخبط عبثا ليحولها منصة جديدة تعيده الى مجده المتخيل.

مراسلة لقناة اقليمية، جميلة، لبنانية من الجبل، وجدت فرصتها في حرب تموز 2006 التي طحنت فيها اسرائيل لبنان وحزب اللهه، لكنه انتصر. قبل النجومية كانت تتردد الى حانات شارع الحمرا، ككثير من حشد اليسار الذي لفظته الشيوعية مع انفاسها الاخيرة، فهبط لا يعرف بما يؤمن. وكحال اغلبية اليسار الشاب الفارغ، الطامح الى منصة لاثبات وجوده، كانت تطرح افكارها النمطية بصوت عال، وتحتد وتنفعل وتلقي عبارات ثقيلة كبرى و بائدة مثل "نملية" مطبخ جدتي، على شاكلة "الاستعمار"، "الشعب"، "الامبريالية"، "الرأسمالية" التي لا تنجو من صفة "الحقيرة" كل مرة، وغيرها من كلمات دقت كمسامير في لسان اليسار الخشبي، فبات عاجزا عن التواصل مع سائر السنة العصر.
درست الصحافة في كلية الاعلام في الجامعة اللبنانية وعملت في صحف بيروتية مراسلة في المتفرقات المحلية، ثم طفقت تغطي النشاطات الثقافية و الاجتماعية في البلد. آل بها الامر الى امضاء وقت طويل في الحمرا. ظهرا تبتلع سندويتش بطاطا تبتاعها عند ملك البطاطا او بربر، وتنبذ انواع الكولا التي تفور بالرأسمالية، وتستبدلها بالعصير الطازج من حمضيات لبنان الشهية، لتنتهي عصرا في احد مقاهي الحمرا المناهضة لاستعمار ستارباكس، حيث تفترش طاولة لينتصب امامها، الى جانب كوب هائل من "الكراميل وايت تشوكولات موكا"، كمبيوتر محمول او "لابتوب" حديث لمواكبة احداث العالم. لوهلة وجيزة خطر في بالها سؤال "كيف كان كمبيوتر سوفياتي الصنع ليبدو، لو كتب له الوجود؟"
في حرب تموز، هجمت قنوات العالم على لبنان لتغطية هجوم اسرائيل الساحق عليه. كل منهم اوكل فريق عمل محلي بالتغطية، بارشاد من بعيد من مكاتب التحرير الاجنبية الغربية والشرقية على حد سواء. اصطادت صاحبتنا وظيفة مراسلة محلية وبدأت تظهر على شاشات التلفزيون في تغطيات مباشرة للاحداث وتعلق على الاحداث وتتكهن بنتائج ودوافع بعربية فصحى ركيكة منفرة. غير ان تعليقاتها التي امست رويدا رويدا مبعث نوادر في سهرات الحرب البيروتية، فضحت قصورا في التحليل، ونقصا في معلومات بديهية لمهنة مماثلة. تدريجيا، قل ظهورها في التغطيات الحية، لا سيما بعد خطأ فادح في تغطية انفجار غامض في منطقة بعبدا تهافتت عليه وسائل الاعلام كافة.
بعد الحرب، لم تعد تتردد على مقاهي اليسار وحاناته، لكن الجميع خالها طردت بعد اعلانها الخاطئ المباشر وقت النزاع. لكنها بعد شهر عادت لتقدم الاخبار من الاستديو، دوما بالفصحى المكسرة اياها، حيث تحظى على الاقل بدعم تحريري ممن يعد لها ما تقول، على طريقة "كوني جميلة، ولا تنطقي الا بما امليه عليك"!

بارمان، في حانة في الجميزة، يعرفه الجميع باسم مارك. وسامته ليست نتاج تناسق مثالي في ملامح الوجه، بل تنبع على العكس من شوائب طفيفة فيها. لا تفارق البسمة ثغره الغض. عيناه ضئيلتان، لكنهما بنيتان داكنتان بعد التمعن، مشدودتان كعيون اليابانيين، وانفه حاد كانه يخط سطرا مستويا وسط وجهه. عندما يبتسم تختفي عيناه وتشرق من بسمته بهجة تنتقل الى من يواجهه. لا يتوانى عن فتح احاديث مع رواد الحانة المعهودين والجدد على حد سواء. والى جانب عمله ساقيا، يختار الاغاني احيانا، وفتحت له علاقاته بمرتادي الحانة مجال العمل في تصوير الاغاني المصورة، وتنظيم السهرات في النوادي الليلية.
بالطبع، تئز الفتيات حوله كنحلات قاتلة، احب الى قلبه ان يلهو، بلا مبالاة. لا يريد التعلق باحد، ولا التحول الى رجل امرأة ما. لا يطيق الارتباط، والعائلات، والاطفال. جل ما يريد ان يعيش اللحظة وما تحمل من مفاجآت. مارك هذا، ليس بأبله، وبالرغم من شبابه، يفاجئ بعض الساهرين المترنحين بنوع من النضج او الادراك يندر بين رواد تلك الاماكن في اوقات متقدمة من الليل. هو السيد في الحانة وقت خدمته، لا مكان للمشاغبين، او المشاغبات...كل من لا يسعه السيطرة على نفسه السكرى لا مكان له في حانته. وكل الذين توالوا على استثمار الحانة يعلمون انه ملكها، ومدر المال فيها، ولولب حيويتها.
هذه  الحانة التي فتحت ابوابها في حي الجميزة قبل ان يزدهر بجنون على ما هو حاليا، ويثير استياء سكان المنطقة. رواد المكان الذين زاد عددهم مع السنوات احضروا معهم اصدقاء واقارب ومعارف الى هذه الحانة التي كرست في النهاية رمزا لعراقة بيروت وحياتها الليلية. يعرف كل خفايا ليالي السهر البيروتية، الحانات واصحابها، ما يفعلون لكسب المزيد من الاموال، ووسائل تامين كل ما يريد المرء من ملذات في المدينة. تلك هي شخصيته الليلية، مزيج من "العراب" و"روبن هود"، وشبيه جيمس فرنكو وجوش هارتنت في آن.
لكن من هو في الحقيقة، فهذا ما لا يعلمه احد.
 هو في الحقيقة محمد، مواليد برج البراجنة، شاب بين عشرة اولاد، سبعة شبان وثلاث فتيات. الوالد سائق عمومي، يكد يوميا لتحمل سيارته المرسيدس، او ما تبقى منها، والبشر الاخرين. الوالدة تمكنت من تجنب تنظيف المنازل، فوالدتها علمتها الخياطة منذ صغرها، فامتهنتها واجادتها، واصبحت مقصد نساء المنطقة. العائلة تتمتع باحترام الحي منذ انتقلت اليه في اواخر السبعينات من قريتها البقاعية. نشأ الفتى طامحا في جمع المال، انهى دراسته الثانوية عاملا في احد مطاعم حارة حريك. بمجرد ان استلم شهادته قرر اجتياز عتبة بيروت. وبيروت ليلا، تعني، لافراد مثل محمد، الحمراء اولا، وراس بيروت، عين المريسة، الروشة، وكراكاس. ومع تعمقه في حياة الليل، عمل نادلا في احد مراقص  شارع مونو، في بداياته. وسرعان ما ادرك الامكانات الكامنة في الجميزة، حيث استثمر احدى اولى الحانات، وامسى من وجوه الحي المعروفة والمحببة لدى المواظبين على السهر.
مارك، امير الامسيات، وحبيب قلب الفتيات، سيبقي محمّده مخفيا حتى اشعار آخر.

مصورة هاربة من مجتمعها الطرابلسي السني المتشدد، جسديا فحسب. عقد التربية المتزمتة ما زالت محتجزة وراء وجهها، الذي زينته بواجهة من الاسنان الاصطناعية في محاولة تزييف ضحك او ابتسام، يفضحها الثلمان الداكنان بين الحاجبين. الوالد مهندس فار من البلاد بعد انهيار مبنى من تصميمه لغش في المواد. تمكن بفضل نسب زوجته البلقانية التركية السورية الاصول ان يستقر في اسطنبول، حيث يدرس اللغة العربية في مدرسة ليبية. الوالدة بلا شخصية تماما، ما اتاح لشقيقات الزوج اقتياد شقيقهن في اي اتجاه يردنه، قبل فراره.
حلّ بطش العمتين قاسيا. احداهما تطلقت بعد خمس سنوات على زواج متأخر، تم في الخامسة والعشرين الى تاجر ثري من المغتربين في فنزويلا. لا احد يعلم بما كان يتاجر، لكن من يقول لا للنصيب ان "هجم"؟! بعد خمس سنوات، في ليلة بلا قمر، قرع جرس منزل العائلة، وهاك بها تقف في المدخل، مطأطأة الرأس، وفي يدها حقيبة صغيرة، هي كل ما عادت به من المهجر. في ضوء رواق المدخل، اصيبت العائلة بالصدمة لما رأت وجهها. شعرها غزاه شيب مبكر، وجبينها العريض تطعم بعروق خضراء تبرز تحت بشرة رمادية جافة. عيناها فقدتا بريقهما وبدت كانهما مثقلتين بجيبين اسودين ادناهما، يتصلان بخندقين ينحدران الى اعلى الفم. لم تنطق بكلمة. سقطت في غرفة الجلوس. استغرق تعافيها جسديا شهرين. لكنها لم تنطق بكلمة لخمس سنوات اخرى. لم يجرؤ احد ان يسألها عما حصل. والدتها حاولت مرة، ونالت قسطا من الضرب المبرح لن تنساه ما حيت، قبل ان يقضي عليها سرطان الرئة. العمة الثانية لم تتزوج قط. لم يهجم عليها اي نصيب، لا من الداخل ولا من المهجر. نكادها وطبعها الشرس رسما لها صيتا ابعد كل احتمالات الارتباط عنها مئات الكيلومترات. العمتان جعلتا من شقيقهما رجلهما المفضل. وانزلتا به كل طبائعهما المريضة، ونتاج كل ما تخمر لديهما من كبت. كل ذلك لحق عائلة الوالد، وفتاتنا تشربته، بالطبع.
بالعودة الى مصورتنا، العمتان ارادتاها ان تمتهن التدريس. اللغة العربية. المدرسات نصيبهن جيد. يتزوجن سريعا. لم يسعها الاعتراض. بعد دار المعلمين، وبدء التعليم. انفقت راتبها الاول لتسجيل نفسها بالمراسلة في مدرسة نيويوركية للتصوير الفوتوغرافي. واحسنت ادارة مدخولها لتساهم في نفقات المنزل وتدخر من اجل اقساط شهادتها. هنا تطور لديها ادراك للمال، اهميته، وبدأت تتفنن في ادخاره. لكنها وسط تلك العائلة، بلا والدين لحمايتها، صنعت لنفسها جدارا مصفحا سمح لها بالاختباء من الخارج الحاد. نالت شهادتها، وسرعان ما حالفها الحظ بوظيفة جيدة كمصورة صحافية في صحيفة بيروتية.
القسوة التي اكتسبتها من تربيتها وترعرعها وسط عائلتها العرجاء، سمحت لها بدخول معترك التصوير الصحافي الذكري الشاق في بيروت ما بعد الحرب. انغمست في العمل. ابتعدت عن العائلة. احتمت بالانهماك من ارثها. انشأت علاقات عمل وصداقة كثيرة، كلها سطحي. لم تتمكن من نسج صداقات عميقة، لم تجرؤ على السماح لاحد بالاقتراب. لا الفتيات ولا الشبان. فتاة وحيدة، مستوحدة، حدتها ادخلتها حلقة مغلقة من الصداقات السطحية طعمتها بحب التملك والسيطرة وتوجتها بمشادات حادة تنز شرا وحقدا.
لم تفلح في اي علاقة مع رجل، لم تقترب حتى من شبهة علاقة. المرة الوحيدة التي عاشت فيها نوعا من طقوس التقارب كانت مع رجل متزوج، مهندس سكير تعرفت اليه في شارع الحمرا، عبر صديق مشترك. انتهى الامر بأن دفعا ببعضهما الى حافة الجنون في علاقة هستيرية مدمرة. في النهاية، نجح في سلخها عنه. اما هي، فعجزت عن ابتلاع الامر، وعادت الى دوامة العمل المرهق، ولم تنفك تسعى الى الهجرة حتى اتتها الفرصة وحظيت بمنصب مع وكالة تصوير دولية في هولندا.
لم يرها احد مذاك.