"نصف ساعة"
لم يخل ان حرارته سترتفع الى هذه الدرجة. كأنه ركض مئة كيلومتر للتو. جل ما يسمعه هو العد العكسي. هدير انفاسه في اذنيه. نبض عنيف في العروق يجول في انحاء جسمه بسرعة قياسية. وقرع ذاك الطبل الكبير الهستيري في وسط صدره. ضجيج كيانه مستعدا للحدث.
فقد الاحساس في اطرافه. كأنها ليست له. كأنه في مكانين في آن. داخل نفسه ومتفرجا عليها معا.
لم يختبر تلك الاحاسيس في اي من منعطفات حياته.
تدريبه جعله يضبط تركيزه في لحظة على العدادات امامه، والصوت المعدني الذي يذكره بما تبقى من الوقت، يلتمع في رأسه.
"15 دقيقة"
كل ما عليه ان يفعل تحسبا للحظة الصفر تم. ما عليه سوى انتظار عبور شريط الوقت الابدي.
اغلق جفنيه قليلا. حدقتاه تقفزان دونهما بجنون. فتح عينيه مجددا. النور باهر. منتصف نهار صيفي. ارسل نظره الى الافق، البحر ازرق، ازرق، والسماء صافية نقية. السماء. هل ستعطف عليه بعد قليل؟
"5 دقائق"
كل الاستعدادات على ما يرام. هدأ روعه. اتخذت انفاسه وتيرة ثابته، كأنها موسيقى داخل رأسه. العدادات انطلقت. هدهدته ارتجاجات المقعد. تراءى له منزله، وسط حقول القمح، والجدول العابر على حدود حديقته الخلفية. ثم تلك الدراجة الصغيرة الحمراء بعجلتين اضافيتين قرب الباب الخلفي المودي الى المطبخ.
فتاته الوحيدة تلزم غرفة الجلوس. تقرفص امام الكنبة، عيناها شاخصتان الى شاشة التلفزيون. ابي هناك، يقول الصوت في داخلها.
- "ابي هناك"، تقول لوالدتها. في تلك العلبة الكبيرة. "متى سيعود؟"
- "بعد اسبوع، حبيبتي"
- "لم يسافر؟"
- "ليساعد البشر على التطور والعلوم"، وتشيح بوجهها لتمسح دمعة عن شفتها العليا. عساها المرة الاخيرة.
"دقيقة"
كيانه برمته انحصر في الشاشة امامه. لا ماضي، لا مستقبل. الآن، هذه اللحظة. والاخريات بعدها.
يداه تعملان تلقائيا. كل المفاتيح رفعت. المكابح فكت. ضغط نيران الانطلاق يرتفع كما عليه. الجهوزية تامة في المقصورة، وفي مركز القيادة.
"10"
لا شيء
"9"
لا شيء
"8"
لا شيء
"7"
دُدم دُدم دُدم دُدم...اهدأ يا قلبي اهدا
"6"
شهيق عميق آلم رئتيه، زفير مطول.
"5"
ابتسامة صغيرة احتلت زاوية فمه. هيا هيا هيا..
"4"
"فتاتي، اراك لاحقا، لك مني هدية رائعة!"
"3"
ابتسامته اتسعت تدريجيا، عيناه تجمدتا مفتوحتين الى حد الحريق في المقلتين.
"2"
"الكون ملك يدي!"
"1"
...
عينا الفتاة تجمدتا. توقف الوقت من حولها. اتخذ وجهها الوان الشاشة، اصفر، برتقالي، فأسود. غاب كل ما حولها. اذناها ضجتا بدوي متفجر. لم تفهم ما حدث...
كالمنومة مغناطيسيا، ادارت وجهها الى ناحية الوالدة، في المطبخ...
...على ارض المطبخ، ظهرها للخزائن تحت حوض غسل الصحون. جسمها مرتخ، راسها مطأطأ...صامتة...صامتة، كأنها لا تتنفس. الى ان صدرت من ذاك الركام البشري حشرجة عويل يمزق الروح.
ليتها لم تتمن ان تكون رحلته الاخيرة.