لم اعد من زياراتي الاخيرة الى بيروت، مرتاحة مسرورة، على ما جرت العادة. عدت واعلى معدتي ثقل اسود يلازمني مذاك. كسل غريب لا افهمه. تعب لكثرة السهر وقلة النوم لم يفارقني حتى اللحظة.
عدت بشعة، حزينة، ضعيفة، ضائعة وعاجزة عن تحقيق اي انجاز. عدت مشبعة بكل خواص الالم والخيبة والغضب التي دفعتني خارجا في البداية. للمرة الاولى اتنفس الصعداء مع جملة "اهلا بكم في مطار لارنكا" لا في مطار بيروت.
بالطبع امضيت هنيهات حلوة، كالعادة. لحظاتي انا كلها ممتعة بلا استثناء. لا اريدها الا كذلك. ضحكا ومرحا ورقصا ودوسا على اي خيط من حزن ينسل في ردائي.
امضيت جل اوقاتي مع اصدقائي الاحباء، مداورة. وصادفت بعضهم ممن هاجروا مثلي، ولا يتسنى لهم زيارة بيروت الا لماما، على عكسي.
ربما لم انسلخ عن تلك الحياة بعد، لكنني لا استطيع العودة اليها لكثرة ما ارهقتني. واسعدتني في آن، لم اعد اعلم.
لكنني استنشقت توترا وعنفا ووقاحة كامنة في كل مكان. في الشوارع والسيارات وسائقيها، واللافتات و الصور والكتابات على الجدران، ورشقات الرصاص او المفرقعات والساهرين في الحانات، في المنزل، امام المبنى، في المتجر والمصرف، والمطار...الهواء والبحر والاشجار تنز امتعاضا...المباني تنوء بكل اولئك البشر الحقودين المتوترين وتحلم ان تنفضهم من احشائها.
ربما اختلطت علي المشاعر الشخصية والعامة، ولكن هذا ما تفعله بيروت بي في جميع الاحوال. فالمدينة هي هؤلاء الاشخاص مجتمعين، من احب ومن اكره، من ارغب ومن اتفادى...اكثرهم هناك، او فيها يجتمعون.
(نيقوسيا، اواخر تموز/يوليو 2008- الزيارة التي تلت كانت ممتعة ومفاجئة جدا)