سماء تحتلها عمالق باطياف الرمادي والازرق كافة، تتعانق تارة وطورا تتعارك؛ رياح تفتر وتبرد ولا تمل هديرا وصفيرا ونفخا فتنظف الشوارع من نفايات الصيف وتلوي اغصان الاشجار لتليينها استعدادا للآتي؛ شمس ترفض الخنوع والاستسلام فترسل لسعات اشعتها كأسواط في العينين، أو محارب يلوح بسيفه عشوائيا ضاربا كل ما حوله وهو يتهاوى مثقلا بموته الوشيك.
هكذا رفع خريف نيقوسيا رأسه، قليلا، ليسترق كاللص انظارا الى سكانها، يتأكد انهم لم يستعدوا له بعد، ما زالوا يجرجرون اقدامهم تحت ضغط قيظ الصيف المقيت، الذي لم يشفوا من دواره حتى الان
وهؤلاء، سكان نيقوسيا، متبرمون من العودة الى حياة الشتاء، ونشاط النملة بعد ان اعتادوا حياة الجندب على شواطئ ساحرة تؤطر جزيرتهم التي عهدوها هادئة، لا مبالية، تهزأ بانهماك كائنات شرق المتوسط الاخرى.
انا، على عكسهم، تنفست الصعداء مع اولى نهدات الرياح، وصفقت لصفيرها في نوافذ منزلي، وتمايل الاشجار حوله، وترقرق مياه حوض السباحة الزرقاء في الفيلا المجاورة. فأنا لا اطيق الجمود، وانشد التغيير والتنقل والترحال. ثمة ما يمنعني من استقرار يجتذب كثيرين. لست منهم. يداي مكبلتان امام الملل والتكرار والانماط المتواترة في الحياة والطعام والمشاعر وكل ما ُيدرَك او يُحَسّ.
نيقوسيا الان مدينة اخرى. ومنزلي مختلف، الاضواء تدخله من زوايا جديدة، وانا اعدل عاداتي وفقا لليل ونهار جديدين. امزجتي واهوائي ايضا تتقلب وتتغير.
الحانات التي ارتادها اختلفت أجواؤها، فتوزعت انماط اكنظاظها بطريقة مختلفة عما عهدته صيفا. وقل حضور بعض الوجوه المألوفة فاقتصر على نهايات الاسبوع لضرورات العمل والدراسة.
الآن سأعود الى عبق دخان السجائر، وأبخرة الكحول، وروائح البشر المتراصين، الطيبة والكريهة على حد سواء، ودفء الاماكن المغلقة التي تفيض حنوا كلما شحذ الصقيع نصله خارجا، في فضاء مفتوح على أقدار لا تنتظر الا سبابتي عليها لتتفتح.