عيناي لم تعودا معتادتين على النور. حدقتاي توسعتا وبقيتا على حجمهما. من قلة نومي وكثرة سهري، خرجت من يؤرة الضوء، وقسوة تفاصيله. الليل صاحبي وملازمي وحاضني. يريني من يشاء ويخفي في احشائه من يشاء.
وكلما عرض علي وجوها جديدة بدت اكثر جمالا لعيني المتعبتين. وكانهم، اصحاب تلك الوجوه، مثلي، لا يطيقون النهار، يتحاشونه في ثنايا الظلام. يبحثون عن الفرح والابتهاج والخفة، بعيدا عن مسائل النهار ومشاغله. يصنعون لانفسهم حياة اخرى، موازية، مواربة، هي الحقيقية. ------------------------ شوارع المدينة تبدو نظيفة، لماعة، وهادئة في العتمة. كانها تتنفس وتنفث وقع الاف الاقدام التي تطاها تحت الضوء الحار، بلا رحمة، ولا امتنان. بشر الضوء هؤلاء لا ينظرون حولهم، لا يهتمون بمحيطهم، كانهم مكفوفون بالرغم من دفق النور في عينيهم. او بسببه. المباني تقف بثبات، تبرد راسها، ترفعه عاليا لتحنو عليه النسمات المهاجرة، بعد ساعات من الانحناء لدرء لسعات اسواط الشمس المتواصلة. حتى مستوعبات النفايات لا ترجمك بروائحها المقززة ليلا، تراف عليك، انت الضارب في العتمة، وتكفي انفك الحساس شرورها. وانت ترتدي السواد، كالليل الحالك الذي تعشق، تحوكه حولك كشرنقة تختبئ فيها، كما كنت تفعل في خزانة والدتك في الصغر، تلك الخزانة التي تذكر رائحتها في هذه اللحظة. لكنك اليوم لم تعد تختار الظلام عند الخوف. صارت العتمة اسلوب حياتك، والنور عدوك اللدود. اصدقاؤك كلهم، الجميع بلا استثناء، من الليليين. وليلتك تتفتح امامك دقيقة تلو الاخرى، وتاتيك بالمفاجات، وبعضها قبيح. كل سهرة تخفي وراء ظهرها قبضة مغلقة على مجهول، تضمره لك، وتنفخه في وجهك متى تشاء. لا يسعك مقاومة اغراء الليل الخبيث، يطرح كل ما لديه لدفعك الى الخروج والاستمتاع بما يخبئه لك اليوم، يجذبك بكل حواسك الى شركه. وكلهم مثلك، يتدافعون الى الخارج ويتداعون الى السهر، البيوت لا تعنيهم. خمول الكنبة مقابل التلفزيون، يشعرهم بالتوتر. لا يتفاعلون مع الجدران، ولا السقوف، ولا الادراج. بريون مثلك. ----------------------------------------------------- نحن قوم الليل، لا يتعبنا الا الضوء، ولا يحزننا الا النعاس، ولايروينا الا كاس ملان حتى يرتطم جبيننا بصقيع الرصيف، ولن نهدا حتى نخر مرة واحدة واخيرة، الى احضان العتمة المحبوبة الى الابد.
------------------------------------------------------