الاربعاء الماضي، قررت دانيال وشارل اصطحاب مايك، ابنهما الاكبر وصبيهما الوحيد، الى حانة في نيقوسيا، في حي باب فاماغوستا التاريخي، حيث يعزف استاذه السابق الساكسوفون مع فرقة صغيرة. وبالطبع انا اتيت معهم، فانا الولد الرابع لدانيال، الملقبة "بالشيعية" لكثرة ما تحب العائلة الكبيرة وجيوش الاولاد. انا لست هاوية جاز، ما لا يعني انني لا احبه، بل لم احظ بفرصة ان يكون احد دليلي في عالمه الشاسع. دخلت عالم الموسيقى في فترة المراهقة من خلال اترابي في مدرسة لويز فيغمان، حيث تجتذب الموسيقى الاجنبية اكثر التلاميذ، اولاد عائلات بيروت الثرية، العريقة منها او حديثة النعمة، لا فرق. لكن عائلتي عربية الاصل والمنشأ والانتماء والجينات والاهواء والاطباع...ووالدتي واخواتها يهوين الغناء في الحفلات التي كانت تدعو اليها اصدقاءها من اساتذة المدارس الرسمية في فترة ذهبية عاشتها عائلتنا الاصغر. وابي لايستطيع ان يمنع نفسه من الرقص والدبك على وقع نقرهن على قناني النبيذ الخضراء الفارغة بقضبان شي اللحم، بينما ردد الجمع خلفهن لازمات الاغاني. كانت الحفلات تلك، على ما اذكر، تجمع اساتذة ومثقفين وشعراء وموسيقيين، ويطيب المأكل والمشرب حتى الصباح. كنت صغيرة لكنني في تلك الفترة حفظت كمية هائلة من الاغاني هذا ناهيك عن التصاقي بالراديو الذي صدح طوال الوقت في منزلنا. برزت لدي ميول موسيقية غريبة لطفلة في الخامسة او السادسة من العمر. كنت في العاشرة من عمري هندما غنيت امام والدي للمرة الاولى فذهل وانهمرت دمعة على خذيه. لم افهم لماذا. كانت الاغنية "في يوم وليلة" لوردة الجزائرية، وهي اغنية كلها فرح وحب والخ من كلام الاغاني! الاغاني التي حفظتها عربية. لكن مع المراهقة، حلت فترة رفض الاهل والعائلة والتراث والعادات والتقاليد. واتت فترة التاثر بالمدرسة، حيث تسود الفرنكوفونية والثقافة الاجنبية. رويدا رويدا زادت ثقافتي الموسيقية الغربية وخلال فترة الجامعة، تعرفت الى ما يعرف بالميتال واغرمت بقوة الايقاع المصحوبة بعزف غيتار كهربائي متناسق وجميل، يعلوهما صوت المغني اغلب الاحيان، او المغنية نادرا. يجب ان يكون الصوت اجشا، فيه بحة، ويندر فيه النشاز كي احبه. اصبحت من هواة "ميتاليكا" (معدنيكا) وغانز ن روزز (مسدسات وورود) ولاحقا مانوار وديو وبوب ديلان وجيمي هندريكس ورولينغ ستونز (الحجارة المتدحرجة) ويو تو (انت ايضا) ومؤخرا ايمي واينهاوس (...منزل النبيذ -احببت اسمها ايضا) وكثيرين غيرهم. وبدأت مؤخرا استكشف موسيقى شركة موتاون التي اطلقت بعضا من اهم المغنين المؤثرين في موسيقى الروك الغربية في الستينات والسبعينات مثل ديانا روس ومارفن غاي وتينا تورنر وستيفي واندر و"الطفل المعجزة" مايكل جاكسون، وغيرهم. وآخ من بوب ديلان، لساني منعقد امامه! اكثر ما احبه لدى الفرق الموسيقية هو صوت المغني، وادائه الحانا جميلة، وغالبا ما تعلقت بالفرق او الانماط الموسيقية التي تركز على الصوت الجميل والالحان العذبة. لكن الصوت الجميل والاداء الصحيح لا يكفي. اريد ان اشعر بما يشعر، وان تنتقل الي كلماته والحانه من الاذنين الى المعدة والحنجرة. اذا لم يستطع المغني انجاز هذه المأثرة الاساسية، ارسم فوقه علامة اكس وامضي. اخرجه من دائرة المغنين المؤثرين لدي. اليوم، ما زالت ميولي نفسها، مع بعض الاستثناءات، لكنها في طور النمو. فبدأت مؤخرا استكشف انواعا جديدة لم اكن اشعر بحشرية تجاهها. ولكن في السابق، فضلت الصخب والحدة والعنف الموسيقي. ربما بسبب المرحلة التي عشتها وما مررت به من تجارب لن اغوص فيها الان. لكني رفضت الجمال المتعارف عليه، وبحثت عما يثير النفور. لذلك ذهبت الى الحفل ذاك المساء. الفرقة ضمت ساكسوفون، كيبورد (بيانو)، بايس، ودرامز او الطبول. ومغنية كانت ضيفتهم لليلة. الموسيقى التي اسمعونا اياها كانت رائعة رائعة، اولا كانت معروفة، وثانيا لانهم عزفوا بشكل ممتاز. فمع انني لست خبيرة بالساكسوفون ولا باي من آلات الجاز، اغرمت بعزف ذاك الشاب. هو استاذ مايك السابق، وبامكانه ان يعزف وحده فيدفع رجليك ويديك الى النقر على كل ما تصلان اليه، وعينيك تنغلقان كي لا تفسدان ما يدخل الاذنين ويحمل معه فرحا قاهرا عجيبا يبنتقل الى اطراف الاطراف والانف والاذنين ويدفئ القلب والمعدة. في تلك اللحظات تشعر ان نبضات القلب تغير ايقاعها بتغيير عازف الطبول ايقاعاته وتغير مكانها فتنبض في الذراعين والركبتين. الجسم كله يتفاعل مع الموسيقى والالات. المغنية، لم تكن ساحرة بقدر الفرقة، وهذا ما ابطأ هذا الارتقاء مع الالحان. لكن الدواء الناجع لاي حادثة من هذا النوع وجد بين يدينا، كاس من الاحمر الياقوتي، حول احتمال خيبة الامل الى اكتفاء بالبهجة التي ادخلها الساكسوفون الى الاعصاب والخلايا. كل هذا السحر ظل في يوما كاملا بعد هذه السهرة وعقدت العزم. اريد ان اغني! اريد ان اغنيييييييي من قاع معدتي ومن اعلى رأسي ومن اعماق رئتي -اللتين ما زلت اكره لونهما. :))))
Comments
بانتظار لون رئتيك
اعتقد ان لون رئتيك سيبدو واضحا مع ذبذبات صوتك
حين تغنين ..و ربما لو اتيحت لنا فرصة سماعك
سنرى اللون زاهيا وجليّا .. و سيظهر نفسه بنفسه
و أظن و من خلال ما قرأته هنا عن موسيقاك الجميلة
سيكون بلون حديقة برّية .. بعيدة عن الأعين
و عن عبث العشاق بورودها ربما .
تعجبني طريقتك في الكتابة .
ـ تسعدني زيارتك لمدونتي .. و ستجدين هنا تلك الاغنية الشهيرة الجميلة القديمة
مرافقة لقطعة صغيرة كتبتها .قبل اسابيع.. و من وحي الاغنية ذاتها
جو غانم
http://joe75.jeeran.com/archive/2007/12/406652.html
Stop Smoking :)-
Stop Smoking :)-
لون رئتي.....
زهري شنيع ككل الرئات الحية...
وهو لون مقيت، ساكتب عنه قطعة لاحقا!
B.